صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
32
تفسير القرآن الكريم
والمكان وغيرهما من المشخصات . وخامسها : إن تشخّص الشيء عبارة عن كونه مدركا بالإدراك الحسي ، وأما المحسوس بما هو محسوس أي قابل لأن يناله الحسّ فوجوده إنما يتقوّم بانفعال المادة وعوارضها ، وكذا الجوهر الحاسّ مفتقر في وجوده إلى مادة محسوسة . وسادسها ، إن الأمر التدريجي الوجود من حيث هو كذلك زمان بقائه عين زمان حدوثه . فإذا تمهّدت المقدمات . فنقول : لما اشتهر إن ابتداء وجود العالم مقارن لابتداء وجود بني آدم ، لأنه من الأنواع الشريفة التي لا ينفكّ العالم عن وجودها المستحفظ نوعها ببقاء الأشخاص ، وجميع العقلاء قائلون بأن للكائنات ابتداء وانقضاء بحسب الأدوار والأكوار والطوفانات العظيمة ، حتى أن بعض الحكماء ذكر كيفية نشوء الإنسان من غير توالد عند ابتداء الكائنات ، وعلمت أن كيفية وضع السماء على هذه الهيئة المخصوصة ليست إلا بأمور زائدة على ذاتها ، وتلك الأمور مفتقرة إلى انفعال المادة وتغيراتها ، والهيولى حقيقتها محض الانفعال والقوة والدثور والتغيّر ، حتى قيل إنها من باب الحركة في جوهرية الشيء : ثم إن اسم السماء كأنها معتبر في معناه الفوقية ، لأنها موضوعة للحقيقة السماوية مع هذا الشكل المخصوص المحسوس ، وهذه الهيئات المخصوصة من الفوقية وغيرها ، والعرب يقول : « سماء كل شيء سقفه » وكذا الفلك معتبر في معنى اسمه الحركة الدورية ، لأنه مأخوذ من فلكة المغزل ، ولهذا يقال بالفارسية « آسمان » أي : المشابه للرحى . فحينئذ بحكم المقدمة الأخيرة يكون حدوث السماء بما هي سماء حاصلا بالتدريج المفتقر إلى زمان يقع فيه ، وأما وجود الزمان والحركة فهما مفتقران إلى أصل حقيقة السماء ، لا على وجه دوري مستحيل ، بل على الوجه الذي حقّقه الراسخون في العلم عند كيفية استناد كل متغيّر إلى ثابت ، وهذا أمر يحتاج تحقيقه إلى مقام آخر لبسط المقال ، ومجال أوسع من هذا المجال .